أبو علي سينا
100
القانون في الطب ( طبع بيروت )
العلاج أصلًا ، وليس يمكن أن يتعرّض لترطيبها وحدها ويخلى عن البدن ، بل ترطيبها لا يقع إلا بشركة من البدن . فمن ترطيب هؤلاء ، تحميهم ، وإقعادهم في الابزن ، وتكريرهم للحمّام بحسب مبلغ اليبوسة ، فربما أحوج إفراط اليبس بهم إلى أن لا يرخّص لهم في المشي إلى الحمّام وعنه ، بل أن ينتقلوا إليه ومنه على محفّة ، لئلا تحللهم الحركة ، ولا ترشح ما يستقونه في الأبزن ، ولأن الحمّام مرخّ للقوة ، فيجب أن لا يقارنه ما يحللها ، فيتضاعف ذلك ، ويجب أن يكون تحميمهم إيقاعاً إياهم في الأبزن ، ولا حاجة بهم إلى هواء الحمّام ، ويجب أن يكون ماء الأبزن معتدلًا بين المقشعر منه ، وبين اللاذع . وبالجملة بحيث لا ينفعل عنه ، بل يتلذّذ به ، فيرطّب ، ويوسّع المسام . ويجب أن يكون مدة استحمامه ما دام ينتفخ ويربو بدنه قبل أن يأخذ في الضمور ، ويجب كلما يخرج من الحمّام أن يراح قليلًا ، ثم يسقى من الألبان اللطيفة ، أما لبن النساء ، أو لبن الأتن ، أو لبن البقر . وأجوده أن يكون امتصاصاً من الثدي ، أو استلاباً للحليب ساعة يحلب ، وشرباً له قبل أن ينفعل عن الهواء أصلًا ، وأن يكون المشروب لبنه قد غذي مقدار ما يهضمه ، وريض قبله رياضة باعتدال ، وأن لا يرضع غيره . فإن كان حيواناً غير الإنسان ، عرف جودة هضمه من رداءته بنتن برازه ، أو عدمه ، واعتداله ، ورطوبته ، وجفافه ، أو إفراطه في أحدهما ، وباستوائه ، أو بنفخه لريحية فيه ، وأن يحسّ ويمرغ رياضة له . ثم ينتظر المريض هضم ما شربه من لبن ، أو ماء شعير ، ويعلم ذلك من جشائه وخفّة أحشائه ، ثم يعاد بعد الرابعة والخامسة من الساعات ، ثم يحمّم ، ثم تمرخ أعضاؤه بالدهن لحقن المائية الممتصّة فيها . فإن كان معتاداً للحمّام ، حمّمته مرة ثالثة . وإن كان الأصوب الاقتصار على مرتين ، زدت في الساعات المتخلّلة بين التحميمتين على ما ذكر ، وأرحه إراحة تامة . وإن مال إلى اللين ، سقيته ماء الشعير المحكم الصنعة ، وهو الذي كثر ماؤه ، ثم طبخ طبخاً كثيراً حتى قلّ ماؤه ، وأطعمه من خبز التنور المتخذ بالخمير والملح المحكم الإنضاج ، ومن السمك الرضراضي ، وأجنحة الطيور الخفيفة اللحوم لرخصتها ، رخصى الديوك المسمّنة باللبن ، وجنبه اللزج والصلب والغليظة . وإن كان كثير الغذاء ، فاختر ما كان مع كثرة غذائه سريع الانهضام ، لطيف الكيموس رطبه ، والمبلغ منه مقدار ما لا يثقل ولا يمدّد كثيراً . وأما القليل ، فلا بد منه في مثله ، ولا بدّ من سقيه الشراب الرقيق المائل إلى القبض القليل الاحتمال للمزاج لمائيته ، فإنه ينفذ الغذاء ، وينعش القوة ، ويغني عن شرب الماء البارد الناكي ببرده ، وليكن مبلغه أن لا يطفو على المعدة ، ولا يقرقر ، وليكن تغذيته الثانية ، وقد انهضم الأول تمام الهضم وفرق غذاءهم ما أمكن ، وليكن الطعام خفيفاً لئلا يلحق طعام طعاماً متقدماً غير منهضم ، وليكن هذا تدبيرهم أياماً فإذا انتعشوا يسيراً زيد في الرياضة ، والدلك ، والغذاء ، فإذا قاربوا الصحة قطعت كشك الشعير واللبن ، واجعل بدل الشعير يومين أو يوماً حسواً متخذاً من الخندروس ، وزدهم غذاء منمياً للقوة وابدأ بالأكارع والأطراف ولحوم الطير الرخصة .